الشيخ محمد رشيد رضا

114

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

يؤمنوا حق الايمان بكتابهم إذ لا يعملون بما يرشد اليه ، ولو كان ايمانهم صحيحا لقارنه الاذعان ، الباعث على العمل بقدر الامكان ، فان كثيرا من المؤمنين بالتسليم والتقليد كانوا كمن نزل فيهم ( 49 : 14 قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ ، لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا ، وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ ، وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ 15 إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) فهذا الايمان الذي حصر اللّه الصدق في أصحابه كان قد فقد من أكثر أهل الكتاب كما هو حال مجموع المسلمين في هذا العصر ، فان الذي تصدق عليه هذه الأوصاف صار نادرا جدا . ولذلك حرم المسلمون ما وعد اللّه المؤمنين من العزة والنصر ، والاستخلاف في الأرض ، ولن يعود لهم شيء من ذلك حتى يعودوا إلى التحقق بما ميز اللّه به المؤمنين من النعوت والأوصاف . فالايمان بالكتاب يستلزم العمل به ، فان المؤمن الموقن بأن هذا الشيء قبيح ضار لا تتوجه إرادته إلى إتيانه ، والمؤمن الموقن بان هذا الشيء حسن نافع لا بد أن تتوجه اليه نفسه عند عدم المانع فما بال مدعي الايمان بالكتاب قد أعرضوا عن امتثال امره ونهيه حتى صاروا يعدون حفظه وقراءته من موانع الجهاد في سبيل اللّه بالمال والنفس ، فكان من قوانينهم أن حافظ القرآن لا يطالب بتعلم فنون الحرب والجهاد لأنه حافظ ، وصار حملة الكتاب لا يطالبون ببذل شيء من مالهم في سبيل اللّه ، حتى إذا ما طولب أحدهم ببذل شيء لإعانة المنكوبين أو لبناء مسجد ونحو ذلك اعتذر بأنه من العلماء أو الحفاظ لكتاب اللّه تعالى ، بخل القراء والمتفقهة بفضل اللّه تعالى فجازاهم اللّه تعالى على بخلهم ، ووفاهم ما يستحقون على سوء ظنهم بربهم ، حتى صاروا في الغالب أذل الناس ، لأنهم عالة على جميع الناس والايمان بالنبيين يقتضي الاهتداء بهديهم ، والتخلق باخلاقهم ، والتأدب بآدابهم ، ويتوقف هذا على معرفة سيرتهم والعلم بسنتهم . وأبعد الناس عن الايمان بهم من رغبوا عن معرفة ما ذكر والاهتداء به - ولا عذر لهم بما يزعمون من الاستغناء عن السنة بالاقتداء بالأئمة والفقهاء فإنه لا معنى للاقتداء بشخص الا